تشع من خلال سرد قصة موسى "عليه السلام" مع قومه، معاني الصبر على الأذى وتحمل تبعات الدعوة إلى الله والصمود في وجه الافتراءات، لكن لم يتم الالتفات إلى مسألة في غاية الأهمية، وهي أن تلك قصة سيدنا موسى u تقدم مبادئ في التشريع العام للأمة، يتمثل ذلك في اعتبار التوحيد والوحدة معادلة يتعين رعايتهما وصيانتهما، ومن ثم، فإن أمر رعاية الوحدة لا يقل وجوبًا وأهمية عن مبدأ رعاية التوحيد الذي قامت عليه السماوات والأرض.
لقد حرص موسى "عليه السلام" على أن يبقى التوحيد خالصًا في نفوس بني إسرائيل، وجعله مناط الولاء والبراء، ومن ثم كان تنبيهه لهارون "عليه السلام" على أن الواجب، وفق هذا الاعتبار، كان يقتضي منه أن يترك الأكثرية الذين انخدعوا بعجل السامري، وأن يفارقهم هو ومن بقي فيهم من الموحدين ويلحقوا بموسى "عليه السلام".
بينما اتجه تقدير هارون "عليه السلام" وجهة مغايرة، فهو يؤمن بأن الوحدة -وحدة بني إسرائيل- لا تقل خطورة وأهمية عن التوحيد، إذ كلاهما معتبر وواجب، ومن ثم فقد ترجح لديه أن الوضع الذي هو فيه يقتضي إيلاء اعتبار للوحدة، مع إنكار ظواهر الشرك ونقدها، ومن ثم فلم يغادر موقفه، وبقي صابرًا صامدًا هو وجماعة الموحدين إلى أن عاد موسى "عليه السلام" من ميقات ربّه.
ومن المؤكد أن هارون "عليه السلام" عانى كثيرًا وهو يتعامل مع هذه المعادلة الصعبة أثناء غياب موسى "عليه السلام"، طرفها الأوّل الحرص على التوحيد، وطرفها الثاني الحرص على وحدة بني إسرائيل، ومن ثم فقد كان جوابه لأخيه موسى يستبطن كل معاني الحرص واليقظة والحكمة: ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ [طه: 94]، فصبر هارون "عليه السلام" وعدم تحريضه للموحدين على مفارقة بني إسرائيل الواقعين في شرك عبادة العجل، راجع إلى أنه حريص على بقاء وحدة الأمة.
والحقيقة أن القضية أكبر من ذلك، إذ لا يتعلق الأمر بمصلحة التوحيد مقابل مصلحة الوحدة فقط، وإنما يتعلق أيضا بالدعوة إلى تدبر هذا الموقف الهاروني، واستخلاص المبادئ المسعفة في تعامل العرب والمسلمين اليوم مع حلم الوحدة وكيفية التعامل مع واقع الفرقة والمذهبية والطائفية والحزبية والجماعية.
إن الموقف الهاروني يرسي مبادئ قوية، أساسها أن دعوة الرسل هي دعوة وحدة بالدرجة الأولى، وبما أنها كذلك، فيمكن الصبر على مظاهر الشرك هنا وهناك، والسعي إلى استئصالها تدريجيًّا، إذ الزمان كفيل بذلك، خاصة مع التنشئة والتوجيه والتربية والإصلاح وذلك كله رعاية لوحدة الأمة. والمقصود بالصبر هنا، المصابرة والمعالجة الحكيمة، مثل معالجة الطبيب لمرضاه، وليس المقصود به التجاوز أو التغاضي أو التساهل.
التوحيد والوحدة:
إن الواقع المعاصر للمسلمين يؤكد أن السياق الحالي، من المفترض أن يكون سياق تركيز ثقافي وتربوي واجتماعي وسياسي وفني على قيمة الوحدة وأهميتها وضرورتها. ومن أجل تحقيق ذلك، لابد من الصبر -قليلاً أو كثيرًا- على كوارث الشرك والانحرافات العقدية، التي لا يقلل أحد من خطورتها وفسادها ومقت تعاليم القرآن والسنة النبوية لها.
ثقافة الوحدة:
إن المتأمل في الأحوال الداخلية لكل دولة عربية أو إسلامية، يلاحظ أن ثقافة الوحدة تتراجع بشكل رهيب في صفوف من يحملون مشاريع النهضة الإسلامية، ومن يضع عليهم متنوّرو بلدانهم آمالاً كبيرة في الخروج بأمتهم من مهاوي التخلف والاستبداد والجهل. فالخطاب السائد -إلا ما ندر- هو خطاب الفرقة والخلاف وتبادل الاتهامات، وتهميش أصوات الوحدة والتآلف والتقارب، وقلما نجد من يرفع شعار ﴿ إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ﴾ [طه: 94].
إن الفقه الهاروني قصة هارون وسيدنا موسى مع بني إسرائيل في مسألة الوحدة يهدي إلى المبادئ الآتية:
1. الوحدة واجبة ومرعية، بل إنها تدخل ضمن الكليات الأساسية في القرآن الكريم وشريعته السمحة.
2. قد يتحمل من الشرك أو غيره، حالاً، ما يحفظ وحدة الأمّة حالاً واستقبالاً. ولعل في موقف الرسول ﷺ وصحابته الأوائل من الأصنام المنتشرة بمكة في بداية الدعوة الإسلامية، ما يمنح مجالاً خصبًا للقياس والمقارنة والاعتبار في هذا السياق، فمن أجل مقصدية الحفاظ على أرواح القلة من المسلمين، أرجأ الرسول ﷺ تحطيم الأصنام بمكة. وقياسًا على ذلك يجوز القول هنا، بإمكانية الصبر على بعض مظاهر الشرك لفترة، من أجل رعاية مقصد الوحدة، والله أعلم.
3. الخشية من ضياع الوحدة لا تقل أهمية عن الخشية من ضياع التوحيد، باعتبار أن الأمة مأمورة بهما معًا: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا ﴾ [آل عمران:103]، ﴿ وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [النساء:36].
4. الوحدة تدخل ضمن واجبات القيادة العليا، فهي مما استحفظت عليه من قبل رعيتها، ولأنها كذلك، فالواجب أن تبث هذه القيمة في استراتيجيتها الداخلية والخارجية، وفي برامجها التعليمية، وفي أنشطتها الفنية والاجتماعية.
5. من الخير لعلماء الأمة ومفكريها ودعاتها أن يكونوا عونًا على نشر قيّم الوحدة الواجبة بمقتضى الفقه الهاروني، وأن يدعموا خطواتها ويباركوا مسيرتها، وأن لا يجعلوا انتفاء الانحرافات العقدية أو السلوكية شرطًا في انخراطهم في الدعوة إلى الوحدة وتحقيقها، فقد يكون اشتراطهم ذلك مانعًا من موانع تحقيق الوحدة أصلاً، وإذا كانت الخلافات المذهبية والقبلية والحزبية سبيلاً إلى إراقة الدماء. فإن درء هذه المفاسد والكوارث لا يتم إلا بنشر ثقافة الوحدة، ومعلوم أن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، مما يعني أن درء مفسدة إراقة الدماء مقدم على جلب مصلحة التوحيد، وخاصة داخل الأمّة الواحدة التي ترفع شعار الإسلام. وليس في هذا تعطيل لواجب الأمر المعروف والنهي عن المنكر الذي يمثل “هوية” الأمّة المسلمة بنص القرآن الكريم، ذلك الأمر والنهي الذي يتخذ أشكالاً متعددة يبدأ بإنكار القلب واللسان، وينتهي بإنكار اليد والجهاد وفق قواعده وضوابطه وفقهه.
6. من بركات الوحدة أن يتحقق التواصل بين مكونات الأمة وينتشر الحوار، وهذا يفضي إلى التناصح والتعاون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي هذا مجال خصب لبيان أخطاء الانحرافات العقدية والسلوكية وأخطارها بالحكمة والمنهج السليم. وقد تقرر في ميزان العقل، أنه يستحيل على المرء أن يبقى متمسكًا بأخطائه وانحرافاته وهو يرى الحق أبلج، إلا إذا كان صاحب هوى متبع أو شخصًا مأجورًا لنشر الشرك. أما في ظل الفرقة والتمزق وتغذية ثقافة الكراهية والانقسام، فإن العقل يتراجع عن حكمته، ويسود التعصب الذي يتلبس لبوس الدين والهوية والتاريخ، وتطغى الأحكام التي تدعي استنادها إلى نصوص الوحي والحديث الشريف.
-بتصرف-
المصدر: موقع مجلة حراء
شاركنا بتعليقك